تخرجت من كلية الطب و .........!!!
تخرجت من كلية الطب منذ عدة سنوات وجلست بعدها في البيت أنتظر التعيين أو النصيب .. وذات يوم دق جرس الهاتف لأجـد شخصا يقول لي :
" تم تعيينك في مستشفى ؟؟؟؟؟يجب أن تباشري غدا وإلا …"
قلت له :
" لا .. لا داعي لـ " وإلا " هذه .. سأكون أول من يدخل باب المستشفى صباح الغد بمشيئة الله ..
لم أنم ليتها جيدا .. ألف صورة تعبر مخيلتي و ألف شعور يغمرني وألف " وإلا " قفزت أمام عيني .. ولذلك لمأذق طعم النوم ..
جاء الصباح وجاء يوم العمل الأول .. عندي " بالطو " أبيضأحتفظت به من أيام الجامعة .. حاولت أن أرتديه .. جيد .. لا زلت أحتفظ برشاقتي .. أتأمل نفسي في المرآة .. نعم .. يبدو أن زمن الرشاقة قد ولّى .. رميت البالطو جانبالألحق بالعمل الجديد ..
عندما وصلت المستشفى كنت حقا أول من وصل من الموظفين والممرضات و العمال .. لم أبالي .. يجب أن أثبت جدي و اجتهادي من أول يوم ..
بحثت عن المكان الذي سأمارس فيه عملي .. سأكون صيدلية بإذن الله .. هكذا كنتأحلم طوال عمري .. و اليوم سيتحقق احلم ..
سألت : أين سأعمل
لا أحد يعرف ..
بدأ الموظف المختص بتقليب الأوراق و الدفاتر و المعاملات .. ثم نظر إليّ بعدحيرة طويلة وقال :
" انه هنا .. هذا اسمك .. ستعملين تحت .. في البدروم .. فيالدور الأرضي "
قلت :
" هل هناك صيدلية في البدروم "
تأملني كاتما ضحكةأوشكت أن تفلت منه وقال :
" عفوا .. الصيدلية هنا .. خلف مكتبنا .. ولكن أنتستعملين في ثلاجة الموتى .."
انتفضت أطرافي و تلعثم لساني وأوشكت قدماي أنتهويا بي .. تماسكت ولملمت أشلائي لأقول له :
" ثلاجة موتى .. ولكن .. أناصيدلانية .. والموتى حسب معلوماتي يحتاجون للدعاء والترحم ولا يحتاجون إلى صيدلانيةمثلي "
قال :
هذا صحيح .. ولكن .. لست أنا من وضعك في هذا العمل .. وانأردت نصيحتي باشري عملك بضعة أيام ثم حاولي أن تطلبي نقلك إلى مكان آخر بالتفاهم معمديرك "
قلت :
" عفوا .. ولكن لا أصلح في هذا المكان "
قال بعد أن ألقىبظهره على الكرسي ووضع رجلا على رجل:
" وهل أنا أصلح هنا .. وذاك هل يصلح هناك .. قولي لي يا سيدتي هل هناك شخص مناسب في مكان مناسب في هذا الزمان إنها مسألة أكلعيش .. وعلينا أن نعمل في أي مكان وإلا " ..
أطلقت تنهيدة من أعماق قلبي وقلت له :
" ما حكاية " إلا " هذه .. لا بأس ..أمري إلى الله .. "
أنهيت إجراءاتمباشرة العمل ثم نزلت إلى المكان الذي سيضم خطواتي القادمة .. مكان كئيب .. إضاءةخافتة تخلق الرعب في النفس .. دخلت الغرفة التي تحتضن الثلاجة وأنا أجر قدمي جرا .. وجدت زميلة تنتظرني .. أفهمتني أن عملي سهل جدا ..
" سيأتي أهل المتوفى بورقةيفترض أن تطابقيها ببيانات موجودة على باب الثلاجة التي تضم جثمان متوفاهم .. وإنتطابقت عليهم عندها أن يأخذوا ميتهم من هنا "
أطلقت زميلتي ضحكة عالية و هيتحاول أن تزرع الشجاعة في قلبي لتضيف قائلة :
" لن تلمسي أمواتا و لن تحمليجثثا .. فقط ستتعاملين مع بيانات .."
قالت كلمتها و هي تتوجه نحو الباب .. أطبقت على يدها بفزع و قلت :
" إلى أين "
قالت :
" المعذرة .. لديمشوار تم تأجيله أربع مرات لحين مباشرتك العمل .. لا تقلقي .. سأعود خلال ساعة وربما أقل .. إلى اللقاء "
وتبخّرت من أمام عيني في لحظة و تركتني زائغة العينينأشم رائحة الموت من كل اتجاه ..
هربت من الغرفة .. سحبت كرسيا و جلست في الممر ..وبقيت أضرب أخماساً في أسداس .. بل في أرقام كثيرة بلا نهاية .. ما هذه الورطة .. هل سأقول لأمي و أبي و اخوتي أني أعمل حارسة على بوابة ثلاجة الموتى .. هل الموتىبحاجة إلى من يحرسهم وهل أفنيت عمري و سهرت الليالي لأكون في هذا المكان .. وأينأذهب بعلم الصيدلة و الأدوية والكيمياء و كل ما تعلمته هل أذيبه في كوب ماء و أشربه ..
انتبهت إلى واقعي .. صمت عميق يكاد يحاصر المكان لولا أصوات بعيدة تتسلل إلىأذني .. بدأت الوساوس تنبت في محيطي ..
كأني سمعت طرقا من داخل الغرفة ..
هل هناك من يهمس باسمي ..
كأني رأيت شيئا يتحرك كالبرق أمامي ليختفي ..
يا إلهي .. هواجس و ظنون وأوهام خلقتها بنفسي لأداري إحباطي تطوقني وتخنقني .. وفي ما أنا أسيرة هذه الهواجس إذا بصوت عال محتد يصرخ بي :
" السلام عليكم "
قفزت من الكرسي وأنا أردد " وعليكم السلام " ووجهي يدور في كل مكان أبحث عن هذاالمخلوق الذي ذبح وحدتي ..
رأيت نفسي فجأة أمام رجل ضخم يحمل ورقة صغيرة جدايقدمها إليّ ويقول:
" تفضلي "
شعرت وكأن قلبي قفز بين يدي .. هل هذا حلم أمواقع .. لم أقرأ الورقة .. سألته فقط ..
" ما هذه "
قال :
" انه جدي .. اختفى منذ شهر و نحن نبحث عنه وربما يكون هنا في هذا المكان "
قلت وقد بدأتأشعر بأنفاسي تعلو وتملأ المكان :
" والمطلوب "
قال بغضب ظاهر :
" سلامة فهمك .. المطلوب أن تفتحي جميع أدراج ثلاجتكم العامرة وتبحثين عنه "
قلتو أنا أظن أني أرد له غضبه بما يستحق :
" المعذرة .. سلامة فهمك .. أنا لا أعرفجدك ولا شكله "
أدخل يده بسرعة في جيبه ليخرج صورة وضعها أمام بؤبؤ عيني وقال :
" هاهو .. "
قلت بارتباك ظاهر :
" تعال إذن وابحث عنه بنفسك "
قالوقد فطن إلى حقيقة الأمر :
" عفوا .. أنت هنا لهذا العمل .. وقد تحوي ثلاجتكمالعامرة نساء لا يصح أن أنظر إليهن .. ولهذا سأعود إليك بعد قليل لآخذ الإفادة .."
وهرب من أمامي قبل أن أنطق بحرف ..
تأملت صورة جدّه ، ثم أطلقت نظري فيأرجاء الثلاجة التي تحوى أكثر من عشرين درجاً ، تراني هل أتجرأ و أفعلها
ويحقلبي .. أنا التي يهلع قلبي لذكر الموت أجد نفسي فجأة أمامه وفي أكثر من صورة
هل أنسحب ..
نعم .. هذا أفضل ..
أفضل .. لمن ..
تخطر في ذاكرتيكلمة ( وإلا ) التي ترددت على مسمعي أكثر من مرة بسبب هذا العمل .. أم يقل ذاكالموظف أن المسألة " أكل عيش "
أطل في الصورة مجدداً .. أجد قدماي تقوداني إلىداخل غرفة الثلاجة .. أقترب من أول درج .. أقرأ كلمة ( مجهول .. حادث سيارة ) مكتوبة على ورقة معلقة بإهمال على مقبض الدرج ..
المطلوب مني أن أفتح الدرجوأفتح عيني جيد وأتأمل الموت .. ألاحق تفاصيله .. أستكشف بصمته .. مطلوب مني أنأقارن الموت بصورة .. والمجهول بعلامة استفهام .. يالله .. ماذا أفعل .. قلبي يكاديتوقف .. أمد يدي إلى الدرج أحاول سحبه .. إنه يترنح في الهواء .. أتراه فارغ أسحبهبهدوء ..
يا الله .. زلزال يضرب كياني .. إنها جثة طفل صغير .. أتأمله بخشوع .. كل كياني يبكي .. أي جبار عات دهس طفولتك وبراءتك أيها الصغير أي أرعن أخرق قطفبسمتك وداس فرحة أبويك وقذف بك إلى أحضان الموت ..
أحاول أن أمد يدي إلى جبهته .. لم أتردد .. لأول مرة في حياتي ألمس ميتا وأنا التي كنت أتحاشى الاقتراب من مريض .. لمست جبينه البارد .. عبثت يدي بشعره .. قوة غامضة دفعتني إلى تقبيل خده .. شعرتأني أقبّل عصفورا صغيرا ..
صوت يخترق أذني .. " عفوا ..مكانك ليس هنا " .. نظرتخلفي فإذا به ذاك الموظف الذي قذف بي صباحا إلى هذه الثلاجة ..
قلت وأنا أمسحدموعي وألملم مشاعري : " ألم تقل لي صباحا أن مكاني هنا وأن كشوفاتك تؤكد ذلك " ..
قال مرتبكا : " أرجو أن تعذرنيي .. يبدو أني لم أغسل وجهي جيدا هذا الصباحولكن عندما سألوا في الصيدلية عن الموظفة الجديدة إكتشفت خطأي .. السماح منك مرةأخرى " ..
لم أفرح بالنبأ .. لم أفرح بالصيدلية .. نظرت إلى جثمان الطفل من جديد .. قلبي مذبوح وكياني مشروخ ويدي لا تريد أن تفارق وجه الطفل .. قلت للموظف :
" ما حكاية هذا الطفل "
قال : لا توجد حكاية .. طفل مشرد كان يتسول عند إشارة مروردهسته سيارة طائشة .. لا أحد يعرف شيئا عن هذا الطفل ومنذ سنة والجثة هنا والشرطةترفض دفنها قبل التعرف على ذويه ، وحتى من ارتكب الحادث لازال حرا طليقا .. على أيحال .. أرجوك .. يجب أن تذهبي إلى الصيدلية فورا قبل أن تحدث لي مشكلة .. "
قالكلماته تلك واختفى من أمامي .. وبقيت أنا وهذا المشرد الصغير .. يا لوعتي عليك أيهاالملاك .. عشت مشردا وتموت مشردا .. عشت فقيرا وتموت مكسورا لتغفو وحيدا في ثلاجةمن الصقيع .. قتلك الظلم وهرب .. دهستك القسوة واختفت ..
ماذا أفعل الآن يا ربي .. أنا الآن صيدلانية " رسمي " .. ومكاني ليس هنا .. ولكن .. كيف أترك المكان وقلبيهنا .. وكياني هنا .. وإنسانيتي هنا .. كيف أغادر وعصفور يبحث عن الراحة ميتا ولايريدونها له قبل أن يستكملوا أوراقهم .. هل يتصورن أن ضمير القاتل سيستيقظ بعد سنةليقول : أنا من دهسه .. خذوني فغلوني ..
لن أترك يا صغيري تموت مرتين .. سأسعىإلى إخراجك من هذا القبر البارد ..
انحنيت عليه من .. وقبلته من جديد .. ودموعيتغسل وجهه .. وهمست في أذنه : " أقسم لك يا صغيري أني لن أتركك هنا " وأغلقت درجالثلاجه وكأني أغلق قبرا على روحي ..
منقول
__________________
ليت الزمن يرجع ورى..والليالي تدور ويرجع وقتنا الاول..وننعم في بساطتنا نروح المدرسه بدري..ونضحك داخل الطابور نحاول نزعج العالم..بروحتنا وجيتنا كبرنا وصارت الدنيا..نصف أحزاننا بالدور وكلن غارق بهمه..وفي الاخر تشتتنا **********
لو هموم المفارق مثل كل الهموم ماتشوفون عيني بالدموع اسبحت مع التحيه هموم المفارق
|